فخر الدين الرازي
470
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بحسب الحال عما وقع في قلبه بسبب فوات الماضي ، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات ، ونسأل اللّه الفوز بهذه الدرجات بمنه وكرمه . المسألة الثالثة : دلت الآية على أن المؤمنين لا ينالهم الخوف والرعب في القيامة ، وتأكد هذا بقوله لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ [ الأنبياء : 103 ] . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 62 إلى 66 ] اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ( 62 ) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ ( 63 ) قُلْ أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ ( 64 ) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ ( 65 ) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ( 66 ) [ في قوله تعالى اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ] واعلم أنه لما أطال الكلام في شرح الوعد والوعيد عاد إلى دلائل الإلهية والتوحيد ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قد ذكرنا في سورة الأنعام أن أصحابنا تمسكوا بقوله تعالى : خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ [ الأنعام : 102 ] على أن أعمال العباد مخلوقة للّه تعالى ، وأطنبنا هناك في الأسئلة والأجوبة ، فلا فائدة هاهنا / في الإعادة ، إلا أن الكعبي ذكر هاهنا كلمات فنذكرها ونجيب عنها ، فقال إن اللّه تعالى مدح نفسه بقوله اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وليس من المدح أن يخلق الكفر والقبائح فلا يصح أن يحتج المخالف به ، وأيضا فلم يكن في صدر هذه الأمة خلاف في أعمال العباد ، بل كان الخلاف بينهم وبين المجوس والزنادقة في خلق الأمراض والسباع والهوام ، فأراد اللّه تعالى أن يبين أنها جمع من خلقه ، وأيضا لفظة ( كل ) قد لا توجب العموم لقوله تعالى : وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ [ النمل : 23 ] تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ [ الأحقاف : 25 ] وأيضا لو كانت أعمال العباد من خلق اللّه لما ضافها إليهم بقوله كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [ البقرة : 109 ] ولما صح قوله وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [ آل عمران : 78 ] ولما صح قوله وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا [ ص : 27 ] فهذا جملة ما ذكره الكعبي في تفسيره ، وقال الجبائي : اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ سوى أفعال خلقه التي صح فيها الأمر والنهي واستحقوا بها الثواب والعقاب ، ولو كانت أفعالهم خلقا للّه تعالى ما جاز ذلك فيه كما لا يجوز مثله في ألوانهم وصورهم ، وقال أبو مسلم : الخلق هو التقدير لا الإيجاد ، فإذا أخبر اللّه عن عباده أنهم يفعلون الفعل الفلاني فقد قدر ذلك الفعل ، فيصح أن يقال إنه تعالى خلقه وإن لم يكن موجدا له . واعلم أن الجواب عن هذه الوجوه قد ذكرناه بالاستقصاء في سورة الأنعام ، فمن أراد الوقوف عليه فليطالع هذا الموضع من هذا الكتاب ، واللّه أعلم . أما قوله تعالى : وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ فالمعنى أن الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها وتدبيرها من غير منازع ولا مشارك ، وهذا أيضا يدل على أن فعل العبد مخلوق للّه تعالى ، لأن فعل العبد لو وقع بتخليق العبد لكان ذلك الفعل غير موكول إلى اللّه تعالى ، فلم يكن اللّه تعالى وكيلا عليه ، وذلك ينافي عموم الآية .